ابن قيم الجوزية
114
الروح
أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ « 1 » وكقتيل بني إسرائيل أو كالذين قالوا لموسى : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً « 2 » فأماتهم اللّه ثم بعثهم من بعد موتهم ، وكأصحاب الكهف وقصة إبراهيم في الطيور الأربعة ، فإذا أعاد الحياة التامة إلى هذه الأجساد بعد ما بردت بالموت فكيف تمتنع على قدرته الباهرة أن يعيد إليها بعد موتها حياة غير مستقرة يقضي بها ما أمره فيها ويستنطقها بها ويعذبها أو ينعمها بأعمالها ، وهل إنكار ذلك إلا مجرد تكذيب وعناد وجحود وباللّه التوفيق . فصل [ عذاب القبر وعذاب البرزخ ] الأمر التاسع : أنه ينبغي أن يعلم أن عذاب القبر ونعيمه اسم لعذاب البرزخ ونعيمه وهو ما بين الدنيا والآخرة وقال تعالى : وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ « 3 » وهذا البرزخ يشرف أهله فيه على الدنيا والآخرة ، وسمى عذاب القبر ونعيمه أنه روضة أو حفرة نار باعتبار غالب الخلق ، فالمصلوب والحرق والغرق وأكيل السباع والطيور له من عذاب البرزخ ونعيمه قسطه الذي تقتضيه أعماله وإن تنوعت أسباب النعيم والعذاب وكيفياتهما ، فقد ظن بعض الأوائل أنه إذا حرق جسده بالنار وصار رمادا وذرى بعضه في البحر وبعضه في البر في يوم شديد الريح أنه ينجو من ذلك فأوصى بنيه أن يفعلوا به ذلك ، فأمر اللّه البحر فجمع ما فيه ، وأمر البر فجمع ما فيه ، ثم قال : قم ، فإذا هو قائم بين يدي اللّه ، فسأله ما حملك على ما فعلت ؟ فقال : خشيتك يا رب وأنت أعلم ، فما تلافاه أن رحمه « 4 » ، فلم يفت عذاب البرزخ ونعيمه لهذه الأجزاء التي صارت في هذه الحال حتى لو عاق الميت على رؤوس الأشجار في مهاب الرياح لأصاب جسده من عذاب البرزخ حظه
--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية 259 . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية 55 . ( 3 ) سورة المؤمنون ، الآية 100 . ( 4 ) أخرج ابن ماجة في كتاب الزهد باب ذكر التوبة ( 2 / 1421 ) رقم 4255 عن أبي هريرة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال : « أسرف رجل على نفسه ، فلما حضره الموت أوصى بنيه ، فقال : إذا أنا مت فاحرقوني ثم اسحقوني ثم ذروني في الريح في البحر ، فو اللّه لئن قدر عليّ ربي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا ، قال : ففعلوا به ذلك ، فقال للأرض : أدي ما أخذت ، فإذا هو قائم ، فقال له : ما حملك على ما صنعت ؟ قال : خشيتك ( أو مخافتك ) يا رب ، فغفر له لذلك » .